في دروب التربية، تتعدد الأساليب وتتنوع الوسائل، ويبقى الأسلوب القصصي واحدًا من أبلغها أثرًا، وأعمقها نفاذًا إلى النفس. فقد فطر الله النفس البشرية على حب القصص، فتجدها تميل إليه، وتنصت له، وتتأثر بسياقه، وتستلهم من أحداثه ودروسه ما يعجز عنه كثير من الوعظ المباشر والتوجيه الجاف. وليس عجبًا أن يتصدر الأسلوب القصصي الخطاب القرآني، وأن يكون وسيلةً استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه وأمته، وهو ما يجعلنا أمام وسيلة ربانية خالدة، جديرة بأن تتبوأ موقعها في تربية الأبناء وتشكيل وعيهم وقيمهم
أسلوب قرآني بليغ
إن المتأمل في كتاب الله تعالى يلحظ بجلاء أنَّ القصص ليس ترفًا لفظيًا، ولا سردًا تاريخيًا معزولًا عن الواقع، بل هو أسلوب قرآني مقصود، اختاره الله لحكمة عظيمة، فهو يخاطب الوجدان والعقل معًا، ويزرع القيم، ويثبت الفؤاد، ويفتح باب التفكر والتدبر
قال تعالى:
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3]
{وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]
{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]
ففي هذه الآيات بيان واضح أنَّ القصة في القرآن تؤدي وظائف تربوية ونفسية متعددة: تثبيت الفؤاد، وتحريك الفكر، وتوسيع أفق التأمل.
قصة يوسف عليه السلام -على سبيل المثال- ليست فقط دراما إنسانية بديعة، بل هي مدرسة تربوية متكاملة، يتعلم منها الطفل معاني العفة، والثقة بالله، والصبر على البلاء، والعفو عند المقدرة، وحسن التوكل، دون أن يشعر بأنه تلقى درسًا مملًا أو وعظًا ثقيلًا.
ومن أبلغ القصص النبوية المؤثرة، ما رواه عن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح، حتى انفرجت الصخرة وخرجوا، وهي قصة تحمل مضامين عالية في الإخلاص، والبر، وصدق الأمانة..
لماذا تميل النفس البشرية إلى القصة؟
إن في القصة سرًّا لا تدركه الأساليب الأخرى، فهي تلامس فطرة الإنسان قبل منطقه، وتشبع وجدانه قبل أن تخاطب عقله، ولذلك تنجذب إليها النفس البشرية في كل أطوارها، طفولةً وصبًا وشيخوخة. إن في القصة سرًّا لا تدركه الأساليب الأخرى، فهي تلامس فطرة الإنسان قبل منطقه، وتشبع وجدانه قبل أن تخاطب عقله، ولذلك تنجذب إليها النفس البشرية في كل أطوارها، طفولةً وصبًا وشيخوخة.
فالطفل حين يسمع قصة، لا ينصت بعينيه وأذنيه فقط، بل ينصت بقلبه وخياله. يعيش القصة، ويتقمص أدوار أبطالها، وينفعل بتقلب أحداثها، وكأنها جزء من عالمه الخاص. والقصة بهذا تمتلك سحرًا فريدًا يجعلها قادرة على غرس المفاهيم بطريقة غير مباشرة، لا يشعر معها الطفل بأنه يُعلَّم، بل يشعر بأنه يُسافر في عالم جميل..
ثم إن القصة تربط المجرد بالمحسوس، والمعنى بالحياة، فبدلًا من أن تقول للطفل “كن صادقًا”، تقص عليه قصة الصدّيق الذي صدق حين كذب الناس، وصدّق حين كذّبوا، فتترسخ في نفسه قيمة الصدق، وتتجذر في وجدانه
كيف نستخدم القصة في تربية أبنائنا؟
ينبغي أن يكون للأسلوب القصصي حضور واعٍ في حياة كل بيت، فالتربية بالقصة ليست لحظات ترفيهية، بل هي لحظات بناء وتشكيل..
ومن الوسائل النافعة في ذلك:
- اختيار قصص ذات عمق تربوي وإيماني، من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسير الصالحين.
- ربط القصة بحياة الطفل الواقعية، وتعليقه بالأحداث، بسؤاله: “ماذا كنت ستفعل؟ من أعجبك؟ لماذا؟”
- فتح مجال الخيال والتفاعل، كأن يُطلب من الطفل أن يُكمل القصة، أو يقترح نهاية بديلة
- الاستمرارية في السرد: بأن تكون القصة عادة يومية، لا مناسبة عابرة.
- أن يرويها الوالد أو الوالدة بنفسه، فإن نبرة الصوت ودفء العلاقة يصنعان أثرًا لا يُعوّضه كتاب مصور أو جهاز إلكتروني
إن التربية الراشدة لا تستقيم بالأوامر فقط، ولا تُثمر بالنواهي فحسب، وإنما تتطلب أسلوبًا يلامس القلب، ويُشرك العقل، ويحفّز الخيال. وليس هناك أبلغ من القصة لتحقيق هذا الهدف.
فحين نقص على أبنائنا قصص الأنبياء، وسير الصالحين، ومواقف العظماء، لا نروي لهم ماضينا فقط، بل نغرس فيهم الإيمان، ونشكل وعيهم الأخلاقي، ونعدّهم ليكونوا رجالًا ونساءً يحملون رسالة وغاية.
ليكن في كل بيت وقتٌ للقصص، ولتكن القصة بابًا نلج منه إلى قلوب أبنائنا، نؤدبهم دون قسوة، ونربّيهم دون صخب، مستنيرين بهدي القرآن، ومهتدين بسنّة النبي العدنان ﷺ.
محمــود عجــاج
معلم وتربوي
