أبي يفعل ذلك.. دروسٌ صامتة

أبي يفعل ذلك.. دروسٌ صامتة

كنتُ -فيما مضى- إذا فتحتُ علبةً من (البسكويت)، أو استعملتُ منديلًا، ووجدتُ سلة المهملات بعيدةً عني، تركتُ العلبة الفارغة أو المنديل إلى جانبي، وقلت في نفسي: “إذا قمتُ بعد قليل رميتُه”

وكانت “بعد قليل” هذه، كثيرًا ما تمتدُّ حتى أنسى، وأغادر المكان وقد خلّفتُ ورائي ما خلّفت، ومع ازدحام العمل وشواغل الحياة مضت الأيام على عادتي هذه، دون أن أُعِيرها التفاتًا، أو أُلقي لها بالًا..

وفي يوم من الأيام أقبلتْ عليَّ زوجتي وأخبرتني بلطف أنَّ ابنتنا الصغيرة ذات الثلاث سنوات، ترمي الأشياء على الأرض، وتُصرُّ ألّا تضعها في سلّة النفايات، فإذا نهيتُها قالت ببراءة: “أبي يفعل ذلك”!

هنا سكّتُ ولم أجد جوابًا، لقد أدركتُ أنَّ الطفل لا يقرأ عباراتنا، بل يَقرَؤُنا نحن، وأننا نُلقّن أبناءنا بأفعالنا، لا بأقوالنا فحسب، وأيقنتُ أنَّ أول دروس الطفولة لا يُلقَى في الكُتُب، بل يُؤخذ من هيئة وسلوك الوالدين..

لقد قالت الطفلةُ كلمتها ببراءة وقلّدت الفِعل بحُبٍ، بل وأصرّت عليه ولم تستجب للنهي القولي من أمها، فما حاجتها إلى النهي وقد رأت القدوة يفعل؟ وما قيمة الأمر، إذا خالفه العمل؟

إنَّ الطفل -خاصة في السنوات الخمس الأولى- يرى في تصرفات والديه الصواب المطلق، ويقرأ فيها قانون الحياة، وينسخ من حركته صُور السلوك التي تبقى معه إلى الكبر..

إنَّ في منديلٍ تُلقيه في موضعه، أو أذىً تُميطه عن الطريق، أو كلمةٍ تعتذر بها حين تخطئ، ما يصنع في نفس أبنائك من القِيَم، أكثر مما يصنعه درسُ الأخلاق النظري في عامٍ كامل، لقد أدرك علماؤنا هذه الحقيقة التي هي من صميم ديننا، ووجهوا بها وأخبروا عنها على اختلاف تعابيرهم بما مضمونه: أنَّ النفوس تميل إلى التشبّه بالسلوك أكثر من ميلها إلى الاستماع للقول” وحين نرجع إلى قدوتِنا الأكبر ومُعلّمنا الأعظم نجد أنه ﷺ كان منظومة أخلاقية متحركة، وقدوة عملية حسنة..

لقد كانت أوامره ونواهيه وأخلاقه وتوجيهاته أفعالًا ناطقة..

تمر بِهِ جِنَازَةٌ، فيقوم لها، فيقال لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فيرد قائلًا: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟! فيعلّم أصحابه بفعله تعظيمَ الموت وتعظيم خالقِ هذه النَّفْسِ وقابضِها، ويأتيه أعرابي غليظ الطبع يشده من ثيابه بقوة ويقول له: يا محمد مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فيلتفت إليه ﷺ في حِلم وأناة ورحمة، ويبتسم في وجهه ثم يأمر له بعطاء، فيعطي درسًا بليغًا في اللطف والرأفة، دون أن ينطق بكلمة..

ويخدمه أنس عشر سنين فيخبر قائلًا: خدَمتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عَشرَ سنينَ فما قالَ لي: أفٍّ قطُّ، وما قالَ لِشيءٍ صنعتُهُ لمَ صنعتَهُ، ولا لشيءٍ ترَكْتُهُ لمَ ترَكْتَهُ؟ ومع ذلك تعلّم أنس رضي الله عنه الكثير من أفعال رسول الله ﷺ الناطقة، وكان يخطب يومًا فرأي حفيديه الحسن والحسين رضي الله عنهما يمشيان ويتعثران فقطع خطبته ونزل من على المنبر فحملَهُما ووضعَهُما بينَ يديهِ، لينطق فعلُه هذا بأبلغ ما قد يُقال في الرحمة والرقة، وكانَ يصلِّي وَهوَ حاملٌ أُمَامَةَ بنتَ بنته زينبَ رضي الله عنهما، فإذا سجدَ وضعَها وإذا قامَ حملَها، ألا ما أعظم رفقه!

وأتاه شراب فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ هو أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال ﷺ للغلام: يا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَهُ الأشْيَاخَ؟ فأبى الغلام وتمسك بحقه قائلًا: ما كُنْتُ لِأُوثِرَ بفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يا رَسولَ اللَّهِ، فأعطاه ﷺ الشراب، إنَّ المتأمل في هذا يدرك أنَّ الاستئذان هنا لم يكن مجرد استئذان ظاهري ليرضي به الأشياخ، بل كان استئذانًا حقيقيًا لإرساء قيمة كبرى وخُلق نبيل..

إننا حين نطالع سيرته ﷺ نجد كنزًا ذاخرًا من التربية السوّية المتزنة الهادفة، إنَّ أبناءنا -لا سيما في هذا العصر- يحتاجون إلى قدوات ونماذج وأفعال، أكثر من الكلام والمواعظ والمحاضرات -مع أهميتها- ولا نقلل هنا من شأن المواعظ والمحاضرات، إنما نريد أن نسلّط الضوء أكثر على الجانب العملي من التربية الذي هو المؤثر الأقوى في الأبناء، فالتربية في جوهرها مواقف وأفعال تترسخ دروسها في الأذهان والقلوب..

إننا نظن أنَّ أبناءنا لا ينتبهون، ولا يحفظون إلا ما نُلقّنه لهم بألسنتنا، ولكن الحقيقة أنَّ أعينهم تكتب، وآذانهم تحفظ، وقلوبهم تسجّل كلّ ما نقوله، وكلّ ما لا نقوله فأفعالنا -صالحةً كانت أو سيئة- دروس لا تُنسى، ومواعظ تمشي أمامهم كل يوم. فإن أردنا أن نُربي حقًا، فليكن فينا من الصدق ما نحب أن يكون فيهم، ولتكن أفعالنا أسبق من أقوالنا، وأقرب إلى ما نرجوه لهم من صلاح، وعلى مقدار ما في الفعل التوجيه من حكمة، يكون ما في الأبناء من كمال.

تأثير الأسلوب القصصي في تربية الأبناء

تأثير الأسلوب القصصي في تربية الأبناء

في دروب التربية، تتعدد الأساليب وتتنوع الوسائل، ويبقى الأسلوب القصصي واحدًا من أبلغها أثرًا، وأعمقها نفاذًا إلى النفس. فقد فطر الله النفس البشرية على حب القصص، فتجدها تميل إليه، وتنصت له، وتتأثر بسياقه، وتستلهم من أحداثه ودروسه ما يعجز عنه كثير من الوعظ المباشر والتوجيه الجاف. وليس عجبًا أن يتصدر الأسلوب القصصي الخطاب القرآني، وأن يكون وسيلةً استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه وأمته، وهو ما يجعلنا أمام وسيلة ربانية خالدة، جديرة بأن تتبوأ موقعها في تربية الأبناء وتشكيل وعيهم وقيمهم

 

أسلوب قرآني بليغ

إن المتأمل في كتاب الله تعالى يلحظ بجلاء أنَّ القصص ليس ترفًا لفظيًا، ولا سردًا تاريخيًا معزولًا عن الواقع، بل هو أسلوب قرآني مقصود، اختاره الله لحكمة عظيمة، فهو يخاطب الوجدان والعقل معًا، ويزرع القيم، ويثبت الفؤاد، ويفتح باب التفكر والتدبر

قال تعالى:

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3]
{وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]
{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]

ففي هذه الآيات بيان واضح أنَّ القصة في القرآن تؤدي وظائف تربوية ونفسية متعددة: تثبيت الفؤاد، وتحريك الفكر، وتوسيع أفق التأمل.
قصة يوسف عليه السلام -على سبيل المثال- ليست فقط دراما إنسانية بديعة، بل هي مدرسة تربوية متكاملة، يتعلم منها الطفل معاني العفة، والثقة بالله، والصبر على البلاء، والعفو عند المقدرة، وحسن التوكل، دون أن يشعر بأنه تلقى درسًا مملًا أو وعظًا ثقيلًا.

ومن أبلغ القصص النبوية المؤثرة، ما رواه عن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح، حتى انفرجت الصخرة وخرجوا، وهي قصة تحمل مضامين عالية في الإخلاص، والبر، وصدق الأمانة..

لماذا تميل النفس البشرية إلى القصة؟

إن في القصة سرًّا لا تدركه الأساليب الأخرى، فهي تلامس فطرة الإنسان قبل منطقه، وتشبع وجدانه قبل أن تخاطب عقله، ولذلك تنجذب إليها النفس البشرية في كل أطوارها، طفولةً وصبًا وشيخوخة. إن في القصة سرًّا لا تدركه الأساليب الأخرى، فهي تلامس فطرة الإنسان قبل منطقه، وتشبع وجدانه قبل أن تخاطب عقله، ولذلك تنجذب إليها النفس البشرية في كل أطوارها، طفولةً وصبًا وشيخوخة.

فالطفل حين يسمع قصة، لا ينصت بعينيه وأذنيه فقط، بل ينصت بقلبه وخياله. يعيش القصة، ويتقمص أدوار أبطالها، وينفعل بتقلب أحداثها، وكأنها جزء من عالمه الخاص. والقصة بهذا تمتلك سحرًا فريدًا يجعلها قادرة على غرس المفاهيم بطريقة غير مباشرة، لا يشعر معها الطفل بأنه يُعلَّم، بل يشعر بأنه يُسافر في عالم جميل..

ثم إن القصة تربط المجرد بالمحسوس، والمعنى بالحياة، فبدلًا من أن تقول للطفل “كن صادقًا”، تقص عليه قصة الصدّيق الذي صدق حين كذب الناس، وصدّق حين كذّبوا، فتترسخ في نفسه قيمة الصدق، وتتجذر في وجدانه

كيف نستخدم القصة في تربية أبنائنا؟

ينبغي أن يكون للأسلوب القصصي حضور واعٍ في حياة كل بيت، فالتربية بالقصة ليست لحظات ترفيهية، بل هي لحظات بناء وتشكيل..

ومن الوسائل النافعة في ذلك:

    • اختيار قصص ذات عمق تربوي وإيماني، من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسير الصالحين.
    • ربط القصة بحياة الطفل الواقعية، وتعليقه بالأحداث، بسؤاله: “ماذا كنت ستفعل؟ من أعجبك؟ لماذا؟”
    • فتح مجال الخيال والتفاعل، كأن يُطلب من الطفل أن يُكمل القصة، أو يقترح نهاية بديلة
    • الاستمرارية في السرد: بأن تكون القصة عادة يومية، لا مناسبة عابرة.
    • أن يرويها الوالد أو الوالدة بنفسه، فإن نبرة الصوت ودفء العلاقة يصنعان أثرًا لا يُعوّضه كتاب مصور أو جهاز إلكتروني

إن التربية الراشدة لا تستقيم بالأوامر فقط، ولا تُثمر بالنواهي فحسب، وإنما تتطلب أسلوبًا يلامس القلب، ويُشرك العقل، ويحفّز الخيال. وليس هناك أبلغ من القصة لتحقيق هذا الهدف.

فحين نقص على أبنائنا قصص الأنبياء، وسير الصالحين، ومواقف العظماء، لا نروي لهم ماضينا فقط، بل نغرس فيهم الإيمان، ونشكل وعيهم الأخلاقي، ونعدّهم ليكونوا رجالًا ونساءً يحملون رسالة وغاية.

ليكن في كل بيت وقتٌ للقصص، ولتكن القصة بابًا نلج منه إلى قلوب أبنائنا، نؤدبهم دون قسوة، ونربّيهم دون صخب، مستنيرين بهدي القرآن، ومهتدين بسنّة النبي العدنان ﷺ.

محمــود عجــاج
معلم وتربوي