كيف تؤثر اللغة العربية في النفوس؟

كيف تؤثر اللغة العربية في النفوس؟

منذ فترة طويلة يدور في ذهني معنى كنتُ أرجو أن يكون حقيقة، لأنه لا يدور في ذهني فحسب بل هو تجربة شخصية أعيشها كل يوم، إنني أجدني أتعرض يوماً بعد يوم لحشد هائل من المعارف والمواقف يؤكد ذلك المعنى ويثبته..
أطالع الكتب والأخبار فأجد هذا المعنى ظاهراً جلياً مؤكداً، إنه “تأثير اللغة العربية في النفس الإنسانية” نعم لها تأثير عجيب مُلاحظ.
ذات يوم كنت أتلو القرآن فوقفتُ عند قوله تعالى: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ربهم..” إلى قوله تعالى: “قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”.
هنا تنبهت ولأول مرة إلى الربط بين عروبة القرآن (أي: كونه باللغة العربية) وبين التقوى، وكيف أن عروبة القرآن أحد أسباب حصول التقوى..
ثم هأنذا أُلاحِظ هذا الربط وقد تكرر في عدد من المواضع في القرآن الكريم، ففي يوسف “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” وفي الزخرف “إِنَّا جَعَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” وفي الأحقاف “وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ” وغير ذلك من الآيات في هذا السياق..
حتى أخذني الفضول للقراءة في تفسير هذه الآيات، ورجوتُ أن يكون المعنى الظاهر المعروف الذي انقدح في ذهني صحيحاً، ثم وجدت تعليق الأئمة المفسرين على هذه الآيات وأمثالهن كالتالي:

  • “وَذَلِكَ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَأَبْيَنُهَا وَأَوْسَعُهَا، وَأَكْثَرُهَا تَأْدِيَةً لِلْمَعَانِي الَّتِي تَقُومُ بِالنُّفُوسِ” (تفسير ابن كثير)
  • “وهو أيضاً ثناءٌ على القرآن من حيث إنه كلام باستقامة ألفاظه لأن اللغة العربية أفصح لغات البشر” (التحرير والتنوير لابن عاشور)
  • “أنزله باللسان العربي، أشرف الألسنة، وأبينها، المبين لكل ما يحتاجه الناس من الحقائق النافعة” (تفسير السعدي)
    والحقيقة أن قول ابن كثير “وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس” أبلغ تعليق في هذا المعنى، لكنّ التعليقات والإشارات الأخرى لا تخلو من إصابة جهة من المعنى..
    ثم وقعتُ على عدد من الأحاديث والآثار والمرويات التي تبرهن على صحة المعنى وتؤكده تأكيداً واضحاً لا يحتمل وجهاً آخر غير المعنى المقصود، ولست هنا في مقام ذكر ما قد يطول ذكره..
    إذن لقد صار ما رجوت حقيقة، أو بعبارة أدق هي حقيقة كنتُ أجهلها..
    لقد صار بإمكاني أن أقول الآن إنَّ هذه اللغة تصنع صنعها في النفوس، فترفع الهمم، وتقوّم الأخلاق، وتثبّت القِيّم وترقق الطبع، وتسقي المروءات، وتُزين العقل، وتُعلّم الحكمة، وتهذب السمت، وتبني الشخصية، وتستخرج لآلِئ الخير ومكامن الجمال، وقبل هذا كله فهي تُعمّق الإيمان، وتسكن الوجدان..
    إنَّ لغةً ذات بيانٍ وبلاغة وفصاحة يُنزل اللهُ بها كتابه ويتكلم بها رسولُه ويتحدث بها السابقون الأولون من هذه الأمة، الذين هم خير الناس قاطبة، لهي لغةٌ جديرة بالحب والاستخدام في شتى مجالات الحياة..
    فأعطها من نفسك قدر ما تحتاج من جمالها
    واعلم أن: “معرفة هذا اللسان من الدين وأقرب إلى إقامة شعائر الدين”. (مجموع الفتاوى – ابن تيمية).
    نعم من الدين وأقرب إلى إقامة شعائر الدين.
التربية فهمٌ وصبر

التربية فهمٌ وصبر

يشكو كثير من الآباء والأمهات من عدم استجابة الأبناء أحيانًا لما يُطلب منهم، وإذا نظرنا إلى الأمر من زواياه المتعددة، هانت الشكوى وفُهِم الأمر.

إنَّ هؤلاء الأبناء بشر، يتفاوتون في قدراتهم واستيعابهم واهتماماتهم، وطُرق فهمهم للتوجيهات، واستعدادهم ومرونتهم. وبالتالي، يختلفون في المدخل الأنسب لهم، والأسلوب الأنفع، والوسيلة الأفضل.

إذا أدركنا هذه الفروقات الهامة في تعاملنا مع أبنائنا، فإننا أقرب إلى التعامل السوي الصحيح، وهذا يتطلب معرفة وصبرًا وتجربة.

وبعد هذا الإدراك، نحتاج إلى أهم خصيصة من خصائص التربية، ألا وهي التدرج؛ التدرج في الأوامر والنواهي، والتعليم والتعود. ولنتذكر دومًا أن هذه سنة كونية، فلم ينزل القرآن بأحكامه وشرائعه جُملة واحدة، بل نزل مُفرقًا، يعالج مشكلة تلو الأخرى، ويُثبّت معنى تلو الآخر.

إنَّ التعامل مع الأبناء على أنهم آلات يمكن توجيهها متى ما أردنا، وعلى الوجه الذي نريد، تعامل يحتاج إلى نظر. والرجوع إلى النموذج الأمثل، الذي نستقي منه أفعالنا وكلامنا وأساليبنا ووسائلنا، يَضَعُنا على الطريق الصحيح والتعامل السوي.

لقد كان النبي ﷺ نِعمَ المعلم والمربي، يفقه مداخل كل فرد، ويعلم ما الذي يؤثر فيه، وأي الأوقات أشد تأثيرًا من غيرها، وأي الأساليب أنفع من غيرها. ولذلك، كان ﷺ يُنوّع في أساليب ووسائل التربية بما يتناسب مع المتلقي. وسيرته ﷺ ذاخرة بهذه المواقف، ولعلنا نسرد بعضها للتوضيح والتبيين.

  • أسلوب الحوار والإقناع العقلي:
    يسأله أحد الشباب أن يأذن له بالزنى، فيصيح الناس مستنكرين ما يطلب، فيستخدم النبي ﷺ معه أسلوب النقاش والحوار الهادئ:
    “أتحبُّه لأُمِّكَ… الحديث” حتى تتم المعالجة بأسلوب حكيم.

  • أسلوب التوجيه المباشر:
    تطيش يد الغلام في الصحفة أثناء الطعام، فيوجهه النبي ﷺ قائلًا:
    “يا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيكَ”.
    فظل الغلام على هذا السلوك حتى لقي الله.

  • أسلوب الثناء والتشجيع:
    يقول لأحد الصحابة:
    “نِعمَ الرَّجلُ عبدُ اللَّهِ لو كان يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ”.
    فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا.

  • استثمار المواقف لترسيخ المعاني:
    يرى امرأة فقدت ولدها، ثم وجدته فضمته إليها وأرضعته في مشهد مهيب، مليء بالرحمة والحنان، فيستثمر النبي ﷺ الموقف قائلًا:
    “أترون هذه طارحةً ولدَها في النَّارِ؟”
    قال الصحابة: لا.
    فقال ﷺ: “اللهُ أرحمُ بعبادِه من المرأةِ بولدِها”.

  • أسلوب الرسم والإشارة:
    يخط بيده خطًا مستقيمًا وخطوطًا عن يمينه وشماله، مُبينًا من خلال الرسم طريق الاستقامة وطُرق الشيطان.

  • أسلوب الملاطفة والمداعبة:
    يموت طائر يسمى (النُغير) لأحد الأطفال (أبي عمير)، فيلاطفه النبي ﷺ قائلًا:
    “يا أبا عُمَيرُ! ما فعل النُّغَيرُ؟”

والناظر لهذا النموذج الأكمل والأمثل، يجد فيه الهدى والرشد والنور، كما قال الله تعالى:
“لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”.

وسيرته ﷺ ذاخرة بهذا الرشد والهدى في كل مواقفه مع الأصحاب، والزوجات، والأطفال، والأبناء، وحتى مع الأعداء. فلنسعَ لالتماس هذا الهدي، ومن سعى بجِدٍّ وفقه الله، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.